تكتسب اللقاءات المباشرة؛ الصفية والافتراضية، بين المعلم والطالب أهمية خاصة، فهي أوقات ثمينة لعملية التعلم. يجب أن يتم التخطيط للاستفادة منها واستثمارها في تعلم الطالب بالشكل الأمثل. هذا لا يكون باستهلاك وقت الحصة في التلقين وقراءة ما هو موجود أصلا في الكتاب. التكنولوجيا خادم مطيع للمعلم المبدع المتميز القادر على تسخيرها بما يمكنه من التفرغ لما هو جوهري وأقوى أثرا، فهي تمنحه مساحة واسعة ووقتا كافيا لاستثمار وقت الحصة المباشرة في مساعدة الطلبة وتحفيزهم على الإبداع والابتكار.


الوصول بالطالب لمهارات التفكير العليا لا يتأتى بتلقينه اعتمادا على نظام “بنكي” قائم على إيداع معلومات واسترجاعها في الامتحان. وجود العديد من الأدوات الرقمية يثري دور المعلم حاليا لاستثمارها بالقيام بدوره السامي في تكوين شخصية الطالب وتنمية مهاراته ومعارفه. غالبية الطلبة يحتاجون مساعدة المعلم للربط بين ما يكتسبونه من معارف ومهارات وبين واقعهم وحياتهم. لا يمكن الوصول لذلك بمعلم مثقل بالعبء التدريسي والأفكار التقليدية عن التدريس، ليكون همه إكمال المنهاج قبل نهاية الفصل الدراسي بأي طريقة ممكنة.


كثيرا ما يتم استنساخ نمط التلقين في التعلم عن بعد، فيقوم المعلم بالشرح والتلقين خلف الشاشة من خلال المنصات الشائعة مثل زووم ومايكروسوفت تيمز. التعلم عن بعد والتدريس الصفي نمطان مختلفان ولكل منهما خصائصه وأدواته وطبيعته. ما يصلح لبيئة التدريس الصفي المباشرة ربما لا يكون صالحا وفعالا في التعلم عن بعد.


في الحصة الصفية لدى المعلم أدوات قادرة على إعادة الطلبة لأجواء الحصة، كحركة مفاجئة أو تغيير نبرة الصوت أو الاقتراب من مكان جلوس الطالب. إلا أن التلقين في بيئة التعلم عن بعد يكتنفه الكثير من المخاطر، فالطالب، إن لم يتم إشراكه ودمجه، يمتلك خيارات إضافية، أقلها أن يكتفي بتسجيل اسمه في قائمة الحضور فقط أو أن يلجأ إلى “كتم” صوت المعلم. المشتتات الرقمية على أجهزة الطلبة كثيرة وقادرة على تشتيت انتباههم وأخذهم بعيدا عن مجريات الحصة. يصارع الطلبة والمعلمون على حد سواء المشتتات الرقمية في بيئة التعلم عن بعد، كما أن هذا التعلم يحدث من البيت ما يزيد الأمر تعقيدا. وهنا تبرز أهمية موضوع دمج الطلبة وإشراكهم وتفعيل دورهم خلال الحصة المباشرة.


ليس من المعقول أن يتم إهدار اللقاءات المباشرة داخل الغرفة الصفية أو الفصول الافتراضية في شرح أو “قراءة” المادة التعليمية التي بإمكان الطالب قراءتها وحده أو الاعتماد على التكنولوجيا للقيام بذلك.


تأتي فكرة “التعلم المعكوس” من هذه النقطة تحديدا للدعوة للاستفادة من إمكانيات الفيديو المسجل للوصول لتعليم فعال بجعل اللقاءات المباشرة ذات معنى وأكثر جاذبية بالنسبة للطلبة. التركيز على استثمار إمكانيات الفيديو ليس لذاته ولا لتخفيف العبء عن المعلم وتقليص دوره، بل لإيجاد مساحات كافية للمعلم لكي يتابع تعلم الطلبة بشكل فعال وليساعدهم على التميز والإبداع. فكرة التعلم المعكوس تستثمر إمكانات الفيديو المسجل.


الفيديو المسجل يمكن المعلم من ترتيب أفكاره وعرضها بشكل منظم ومتسلسل اعتمادا على إمكانيات تصوير الفيديو وتحريره. بعض الأدوات الرقمية السهلة تساعد المعلم على إثراء الفيديو المسجل ليحتوي شرحا بالصوت والصورة مع إمكانية إثراء ذلك بالكتابة والعروض التقديمية أثناء الشرح. مثلا، تقدم برامج مثل “برنامج سلاسل ديسكتوب” من خلال واجهة باللغة العربية إمكانية إنشاء فيديو والتعديل عليه بسهولة كبيرة وجعله متاحا للطلبة للاطلاع على المادة في هذا الإطار، ما يجعل عملية التعلم تبدأ قبل الحصة باطلاع الطالب على الفيديو المسجل لكي يتم استثمار ذلك خلال الحصة المباشرة، سواء في الغرفة الصفية أو الصفوف الافتراضية، فيتم تفعيل دور الطالب من خلال النقاش والحوار والإجابة عن الأسئلة، كما يكون لدى المعلم ما يكفي من الوقت لفتح المجال لكل ذلك.


التعلم المعكوس يركز على استثمار وقت الطالب ومساحته الفردية لجعل اللقاءات الصفية المباشرة والمساحات الجمعية عندما يكون مع الطلبة الآخرين والمعلم أكثر فاعلية وذات معنى، وذلك يخدم التعلم بأكثر من طريقة: فالطالب يأتي للحصة بمعرفة مسبقة حول موضوع الدرس، بما يمكنه المشاركة ويعطيه ثقة بالنفس لقدرته على المشاركة، كما يدمج الطلبة ويجعلهم منخرطين بالحصة بإعطائهم دورا إيجابيا وفعالا، وأيضا، إيجاد الوقت الكافي للمعلم لمتابعة تعلم الطلبة ونشاطاتهم وواجباتهم وتقديم التغذية الراجعة لهم.


التعلم عملية متكاملة يجب أن تبني على مبدأ شمولي يأخذ عناصر العملية جميعها بعين الاعتبار وبشكل متكامل للوصول إلى تعلم فعال.

الدكتور عاطف الشرمان
مختص بالتعليم عن بعد 
الجامعة الهاشمية

  www.salasil.com