أصبح الفيديو هو الوسيلة المثلى لنقل المعلومة في القرن الحادي والعشرين. وقد أعطى التعلم عن بعد خلال جائحة كورونا أفضلية للفيديو بأنواعه المتعددة على جميع الوسائل الأخرى. فالفيديو الحي المباشر أو المسجل أصبح هو شكل التعلم عن بعد خلال العام 2020. فموقع اليوتيوب على سبيل المثال هو ثاني أكثر موقع زيارة بعد غوغل وذلك على مستوى العالم. كما أصبحت منصات مؤتمرات الفيديو هي في مقدمة الخيارات للتعليم والتعلم. فمنصة زووم (Zoom) ومايكروسوفت تيمز (Microsoft Teams) على سبيل المثال، توفران مجالا للتعليم عن بعد من خلال صفوف افتراضية تعتمد على التدريس المباشر المتزامن.
لذلك، من غير الممكن اختصار قضية علاقة المعلم بالفيديو بسؤال هزيل مثل: «هل يحل الفيديو محل المعلم في العملية التعليمية؟» فالنظر للموضوع من زاوية منافسة الفيديو لدور المعلم يخرج القضية من إطارها الصحيح. فقد يكون منطلق البعض في ذلك هو التمسك بالدور التقليدي للمعلم فيرى أن توظيف الفيديو في التدريس فيه إضعاف لدور المعلم وتعد على قدسية مهنة التعليم. إلا أن هذه النظرة فيها الكثير من المغالطات ومجانبة للصواب في كثير من الأحيان. لقد أكد برونر (Bruner, 1960) على أن عملية التعليم تتكون من مرحلتين:

– المرحلة الأولى تتعلق بنقل المعلومة إلى المتعلم.


– المرحلة الثانية تنصب على جعل المعلومة لها معنى بالنسبة للمتعلم من خلال مساعدته على تعميق فهمها وربطها بالبنى المعرفية المسبقة لدى المتعلم.

وللأسف، يتوقف دور المعلم في كثير من الأحيان عند المرحلة الأولى. فقد يرى المعلم أن دوره يقتصر على نقل المعلومة للمتعلم ومساعدته قدر الإمكان على فهمها. إلا أن هذه الرؤية لدور المعلم هي التي قد تجعل بعض المعلمين –وحتى الأهالي- يرى أن في الاعتماد على الفيديو إلغاء لدور المعلم. ومن هنا تأتي فكرة منافسة التكنولوجيا لدور المعلم. إلا أن الدور الحقيقي للمعلم هو ليس نقل المعلومة للطلبة فقط. فالاقتصار على ذلك يجعل من الممكن للتكنولوجيا أن تنافس المعلم فيها بما في ذلك الفيديو، ولكن جوهر دور المعلم هو مساعدة المتعلم للاستفادة من المعلومة بمساعدته على ربطها وجعلها جزءا من البنى المعرفية لديه ومعارفه ومهاراته السابقة بشكل ذي معنى. عند ذلك فقط نستطيع التحدث عن التعلم الحقيقي الذي يدوم ويترك أثرا في سلوكات المتعلم وحياته بشكل عام وليس فقط تخزين المعلومات والاحتفاظ بها لاسترجاعها عندما يطلب منه ذلك في الامتحان.



المعلم الكفؤ هو القادر على الاستفادة من إمكانيات الفيديو سواء التي يعدها هو نفسه أو التي من إنتاج آخرين من أجل نقل المعلومة للمتعلم وخاصة قبل اللقاءات المباشرة داخل الحصة الصفية أو عن طريق الإنترنت. عند ذلك ينتقل تركيز المعلم من مجرد نقل المعلومة إلى الاستفادة منها وجعلها ذات معنى لدى الطالب. فيصبح الفيديو في هذه الحال أداة من أدوات المعلم تساعده على تقليل الجهد في شرح المادة الدراسية. كما أن وقت الحصة\ المحاضرة في اللقاءات المباشرة يصبح فيه متسع لكي يتمكن المعلم من التركيز والوصول إلى المستوى الثاني والجوهري من دوره كمعلم. فالدور التقليدي للمعلم يؤدي إلى استهلاك الوقت الثمين الذي يلتقي فيه المعلم بطلبته في شرح المادة سواء في اللقاءات المباشرة في الحصة الصفية أو اللقاءات الافتراضية عن طريق الإنترنت في حين أن هذا الوقت هو الوقت الأمثل لكي يمارس المعلم دوره الجوهري في تعميق فهم المتعلم للمعلومات ومساعدته على الاستفادة منها وربطها بخبراته ومعارفه السابقة بما يعطيها قيمة ومعنى لديه.
فالعديد من الأدوات التي تتيح للمعلم إمكانية الاستعانة بالفيديو كأداة تعليمية هي في الواقع تمكين لدوره وجعله أكثر جوهرية ليتمكن من استثمار وقت اللقاءات الصفية من أجل الارتقاء بمخرجات التعلم وكذلك جعل الحصة أكثر حيوية وفاعلية وتشويقا بالنسبة للطالب. وقد أصبح توظيف الفيديو في التعليم أمرا متاحا بشكل كبير وذلك بفضل الانتشار الكبير لهذه الوسيلة في نقل المعلومة وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك بسبب وجود العديد من البرامج والتطبيقات التي سهلت التعامل مع الفيديو التعليمي وإنتاجه بما في ذلك البرامج المتخصصة والأدوات الأكثر سهولة من برامج وتطبيقات تسجيل الفيديو وتحريره ونشره.
المعلم غير الكفؤ يمكن استبداله بمقطع فيديو ذي نوعية ممتازة متوافر على الإنترنت. إلا أن المعلم الكفؤ المبدع الذي لديه المقدرة على تسخير ما هو متوافر لخدمة الطالب من أجل تحقيق أهداف التعلم ومخرجاته بشكل متميز يصبح أكثر قوة وكفاءة عند توظيف إمكانيات الفيديو. وقد أظهرت تجربة التعلم عن بعد خلال أزمة كورونا الفارق الكبير بين من يرى من المعلمين التكنولوجيا بشكل عام والفيديو بشكل خاص تهديدا وعقبة وبين من يستثمر هذه الأدوات ليتجاوز حدود ومحددات الزمان والمكان وظروف الحجر. وهذا قد يكون فيه الكثير من الأثر الإيجابي على المعلم نفسه والطالب كذلك. فعندها مثلا، يستطيع المعلم أن يوفر على نفسه الكثير من الوقت والجهد من خلال الاستعانة بالعديد من مقاطع الفيديو المتوافر أصلا على الإنترنت ليستثمر وقته بشكل أفضل لمساعدة الطلبة للوصول إلى مستويات عليا في التعلم.
فالمعلم مدعو للبحث عن الطريقة المثلى لكي يستفيد من الإمكانيات الكبيرة التي يوفرها الفيديو للتعليم بعيدا عن المنافسة. كما أن إعادة النظر في الدور الذي يقوم به المعلم في العملية التعليمية يجعله أكثر انفتاحا على الأدوات التي تمكنه من التفرغ لجوهر دوره السامي المتمثل في بناء الإنسان الأفضل من حيث المعارف والمهارات والسلوكات التي تجعل منه إنسانا أفضل.



 
الدكتور عاطف الشرمان
مختص بالتعليم عن بعد 
الجامعة الهاشمية

  www.salasil.com